الروح والجسد

الروح والجسد - مصطفى محمود

بالرغم من كونه ثامن كتاب أقرأه لمصطفى محمود، إلا إني وجدت ثمة مايميزه عن كتبه الأخرى التي سبق لي قرائتها. كونه ابسطها واكثرها تعقيداً في ذات الوقت.

و اكثر ما احببته في الكتاب هو بساطة التعبير والوصف حيث كان مصطفى محمود يعبّد لنا طريق للتأمل، طريق لرؤية الاشياء من زاوية أخرى تختلف عن الزاوية الاعتادية. نجح في ذلك بنفحاته الصوفية و الفلسفية و التفكر في الخلق و الوجود.

عند شرائي للكتاب إعتقدت أولاً من خلال عنوانه (الروح و الجسد) أنه يتحدث عن المقارنة بين الماديات و نقيضها، ولكن حين رؤيتي للفهرس جذبني اكثر حيث كانت المقالات تحكي عن تناقضات " الروح والجسد - الصمت والصراخ - الجنة والنار - الحب والعداوة - الصدق و الكذب .. " و اختتامه بمقالة " هل كان لنا وجود قبل أن نولد"

أرى مقالاته تقود عقلنا إلى يقين أقل وحيرة أكبر، من الممكن لأنه تحدث على اشياء روحانية حساسة جداً من جانب صوفي، دون ذكر براهين كافية ولا إدلة علمية تنهي النقاش، ولكن حديثه في كل الفصول كان منطقي جداً ولم أعارضه في أية نقطة و إن لم أوافقه موافقة تامة في بعض النقاط.

و لكن ما يسعني القول هو إني اوافق بالفعل ان السعادة تنبع من حالة صلح بين الظاهر و الباطن، فالإنسان خلق من روح و جسد و لكل منهما على الإنسان حق، و لابد ان يوجد توازن بين الجانبين في وحده متناسقة متناغمة وإلا انتقلنا من حالة عبودية إلى حالة الرهبانية أو العكس.
أعجبني حديث بوذا حين يخبرنا إن السعادة في قمع الرغبة وردع النفس و كبح الشهوة بذلك وحده يكون العتق الحقيقي للروح و تحررها من سجن الجسد وطريق الإنسان هو هذا الكدح خارجا من قبضة مادته إلى نورانية روحه. من لحظة ميلاده يتأرجح بين قطبي جسده و روحه يبحث عن ثمة توازن بين القطبي ليصل إلى السعادة الحقيقية.

اعجبتني نقاشات الدكتور مصطفى لنظريات فرويد وماركس وسارتر وخروجهم من الظلم للأظلم.. و ثم تبعت تلك اللنظريات اسئلة تستحق التأمل فعلاً.

description


مقالة "هل كان لنا وجود قبل ان نولد" كان الأكثر قوة وتأثيراً على أفكاري .. من الممتع التعمق في الأفكار التي تضمنتها تلك المقالة ، في كيفية انتلاقنا من مجرد هوية في العلم الإلهي المحيط إلى خلق في احسن تقويم، ثم إلى اسفل السافلين والتي وهي حياتنا هذه في الدنيا، ثم إلى حياة البرزخ، ثم إلى حياة مابعد البعث الخالدة.

سواء وجودنا في أية حياة من التي ذكرتها فهذا يعني أننا احياء -حرفياً-، والإيمان بوجود الحيوات الأخرى هو نفسه الإيمان بأننا سنبقى أحياء خالدين. أي تمر بنا مراحل موت لتفصل بين مراحل الحياة كمرحلة إنتقالية عابرة.. ولكون الحيوات الاخرى هي تابعة لحياتنا هذه، هذا يعني ان كل هذا يبقى سلسلة واحده وتحددها إختياراتنا الآن أفعالنا الآن ومواقفنا من الاحداث، لن يكون الله أبداً إله ظالماً و يرسلنا إلى حيث ما لا يناسب أفعالنا في حياتنا الدٌنيا هذه. أنا واثقة، وكل مؤمن كذلك.

ولكن السؤال المحيّر يبقى، هل بالفعل كان لنا وجود قبل ان نولد ؟

كتاب اكثر من رائع، لأفكار أكثر من رائعة، عن مواضيع شيقة جداً، سردها الدكتور بطريقة سلسة و بسيطة جداً ومختصرة، يجب على كل انسان أن يطلع عليها ليعرف من هو، و أين هو في خارطة الحياة، وتفكر الخلق و الوجود و كيف وجدنا ولأي غرض و ما فعلناه نحن..

أؤمن ان التأمل المستمر في هذه الأفكار تجعل حياة الدنيا قصيرة ننظر لها بعين الزوال، والإيمان مِن جعل أفعالنا واهدافنا أكبر من أن تكون محصورة على هذه الدنيا و السعي من أجل خيراتنا.. أي و الزهد من الدنيا ومعرفة اليقين أن السعادة ليست في البيت المفروش بالسجاجيد العجمي والكريستال ولكن بالنفس التي تسكنه. و إن حاجتنا الوحيده من هذه الارض هي بعضة اشبار نرقد فيها امنين لننتقل إلى مابعد حياة الدنيا.. و نترك جسدنا إلى التراب الذي ينتمي إليه...

و بالفعل جهنم هي عين الرحمة الإلهية، لأن النفوس التي أصرت على الكفر في الدنيا رغم كل التحذيرات لا بد لها من جراحة حتى تستطيع أن تتعرف على الله. حيث أن لا يتناقض عذاب الله ابداً مع رحمته انما دليل عليها.

“اللهم اجعل مكالمتي معك وحدك،فأنت وحدك تعلم ولا تظلم ولا تتبدل عندك الأقوال والأحكام ولا تضيع عندك محبة”