سان سيمون

سان سيمون - طلعت عيسى في الحديث عن العلم والدين، لا أعلم ما سر الإصرار في جعلهما في طرفي نقيض، أقصد الطقوس والعبادة ليس بالضرورة أن يكون لها الاعتبار الاول التقليدي، ففي النهاية، الله صب الأنبياء، فلنشربهم بدلاً من شرب الكهنة والرهبان والفقهاء! أقصد لنأخذ جوهر الدين الذي يتفق مع الإنسانية في تقدمها بدلاً من التمسك بالطقوس التقليدية والقشور.
لا اتفق تماماً في محورة العلم كدين "ديانة نيوتن" التي نادى بها سان ديمون حيث يحل فيه العلماء محل الرهبان والكهنة، ولكن اتفق في الموازنة بينهن في الطور الإنسانية، الموازنة بين "الأخلاق والمعرفة" ليمضي الإنسان الخطوات الحقيقية التي يمكن ان يخطوها التاريخ الانساني في اتجاهه التقدمي و العلمي نحو السعادة الإنسانية، فالانسانية تسير دائما نحو التقدم المطرد والسعادة الحقيقية. فلايمكن غض النظر أبداً عن أن الدين شأنه كشأن كافة الظواهر الاجتماعية الاخرى لابد ان يتفق مع طبيعة المجتمع وظروف الحياة فيه، كما لا يمكن غض النظر أبداً عن أن العلم والمعرفة هي الوسيلة الأهم لتقريب القلوب و توحيد الإنسانية، والطريقة الوحيدة الفعالة للقضاء على الحروب وعلى فتك الإنسان بأخيه الإنسان، والحد من المجرمين الضحايا، والضحايا الضحايا.
عموماً الكتاب رائع ولو انه خيالياً! ابحرني نحو فكر سان سيمون الذي يحلم بالمدينة الفاضلة معلناً نفسه رسولها للإنسانية، منادياً بفكره الذي يسعى إلى النهوض بها إلى اسمى درجات الكمال ويحاول تطبيق أفكاره بشكل ما حيث تلائم الظروف الواقعية.. ولو أن بعض الافكار مثالية جداً إلى درجة السذاجة.. وأفكار اخرى محصورة في الحضارة التي عاصرها.
نهايةً، أرى شخصياً أن الإنسانية -كل الشعوب- تاريخها يعتبر طريق واحد يخلقه التطور العلمي والفلسفة، منذ بداية الوجود حتى الآن، ترمز بدايتها للماضي وتعبر نهايتها عن المستقبل، مهما كان ثمة تفاوت التقدم من شعب إلى آخر، في النهاية يتقدم بالأخطاء نفسها، والدروس نفسها والتاريخ الإنساني بصفة عمومية وحدة متكاملة مستمرة.
مع الاسف التربة الشرقية الاصولية هنا لن تسمح بالبذور الإنسانية أن تخرج ثمارها أو أن تنمو بشكل جيد على الأقل، فالصراع الحادث أتمنى ان يستمر بصورة سلمية إلى ان يصل إلى النور، لكن إن لم يفلح الصراع فلا حل هنا سوى قيام ثورة، فالثورة، لا تعني ابدا الفوضى مهما أحدثت من فوضى، إنما إيقاف الظلم و الاستبداد، والأصولية بالدرجة الأولى، ومهما حدثت من انتهاكات فلا شك إن في نهاية المطاف تسير نحو التقدم الإنساني.